الجصاص

524

أحكام القرآن

الدخول إليه ، لأن صاحب الحانوت حافظ له ، ومعلوم أن إذنه له في دخوله قد أخرجه من أن يكون ماله فيه محرزا منه ، فكان بمنزلة المؤتمن ، ولا فرق بين الحمام والحانوت المأذون في دخوله . فإن قال قائل : يقطع السارق من الحانوت والخان المأذون له . قيل له : هو كالخائن للودائع والعواري والمضاربات وغيرها ، إذ لا فرق بين ما ذكرنا وبينها ، وقد ائتمنه صاحبه بأن لم يحرزه كما ائتمنه في إيداعه ، وقال عثمان البتي : " إذا سرق من الحمام قطع " . واختلف في قطع النباش ، فقال أبو حنيفة والثوري ومحمد والأوزاعي : " لا قطع على النباش " ، وهو قول ابن عباس ومكحول . وقال الزهري : " اجتمع رأي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن كان مروان أميرا على المدينة أن النباش لا يقطع ويعزر ، وكان الصحابة متوافرين يومئذ " . وقال أبو يوسف وابن أبي ليلى وأبو الزناد وربيعة : " يقطع " ، وروي مثله عن ابن الزبير وعمر بن عبد العزيز والشعبي والزهري ومسروق والحسن والنخعي وعطاء ، وهو قول الشافعي . والدليل على صحة القول الأول أن القبر ليس بحرز ، والدليل عليه اتفاق الجميع على أنه لو كان هناك دراهم مدفونة فسرقها لم يقطع لعدم الحرز ، والكفن كذلك . فإن قيل : إن الأحراز مختلفة ، فمنها شريجة البقال حرز لما في الحانوت ، والإصطبل حرز للدواب ، والدور وللأموال ، ويكون الرجل حرزا لما هو حافظ له ، وكل شئ من ذلك حرزا لما يحفظ به ذلك الشئ في العادة ولا يكون حرزا لغيره ، فلو سرق دراهم من إصطبل لم يقطع ، ولو سرق منه دابة قطع ، كذلك القبر هو حرز للكفن وإن لم يكن حرزا للدراهم . قيل له : هذا كلام فاسد من وجهين ، أحدهما : أن الأحراز على اختلافها في أنفسها ليست مختلفة في كونها حرزا لجميع ما يجعل فيها ، لأن الإصطبل لما كان حرزا للدواب فهو حرز للدراهم والثياب ويقطع فيما يسرقه منه ، وكذلك حانوت البقال هو حرز لجميع ما فيه من ثياب ودراهم وغيرها ، فقول القائل " الإصطبل حرز للدواب ولا يقطع من سرق منه دراهم " غلط . والوجه الآخر : أن قضيتك هذه لو كانت صحيحة لكانت مانعة من إيجاب قطع النباش ، لأن القبر لم يحفر ليكون حرزا للكفن فيحفظ به ، وإنما يحفر لدفن الميت وستره عن عيون الناس ، وأما الكفن فإنما هو للبلى والهلاك . ودليل آخر ، وهو أن الكفن لا مالك له ، والدليل عليه أنه من جميع المال ، فدل على أنه ليس في ملك أحد ولا موقوف على أحد ، فلما صح أنه من جميع المال وجب أن لا يملكه الوارث كما لا يملكون ما صرف في الدين الذي هو من جميع المال .